تعليم اللغة العربية للعمالة .. ضرورة اقتصادية

الاقتصادية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

سرت شائعات عن وفاة المفكر الغربي المشهور نعومي تشومسكي (Noam Chomsky)، وهو فيلسوف وباحث في علم اللغة، لكن من ناحية مختلفة، حيث يبحث في كيف ابتكر الإنسان اللغة، وهل اللغة أو الكلمات تحمل معلومات؟ وهذا نقاش قديم على كل حال، لكني سأوضح ذلك ببساطة متناهية، فلنفرض أنك ستخبر صديقك عن اتجاه سوق الأسهم غدا، فماذا ستقول له؟ قد ترى أن الأمر سهل وأنه من السهولة بمكان أن يفهمك، فالأسهم معروفة، وهي موجودة في سوق الأسهم بغض النظر عن طريقة إخبارك عنها، فوجود الأسهم مستقل تماما عن لغتك، وطريقة حوارك وزمنه لا تتبدل ولا تتغير بسبب تأثير لغتك، وإذا قلت له سترتفع الأسهم، فإن صديقك سيعي تماما لغة المستقبل هذه، لكن إذا قلت له قد ارتفعت الأسهم، فسيعرف أنك تتحدث في الماضي، لكن هل فعلا نحن نتعامل في الاقتصاد بهذه الدقة؟
هكذا كان ولا يزال مجموعة كبيرة من الاقتصاديين يعتقدون أن الأمر سهل، لكن مشكلة نعومي أنه لا يأخذ هذه الصياغة على محمل السهولة، فهو يريد أن يعرف كيف اتفق الناس على أن الأسهم هي تلك التي في السوق المالية، وهل فعلا اتفق الناس على ذلك، وهل يعون ذلك فعلا في قراراتهم، كيف يتعلم الأطفال اللغة في الأصل. لن أبحر كثيرا في أفكار نعومي، لكن من المهم أن ندرك أن أبحاثه وأعماله ومناقشاته وتشكيكه في حقيقة نقل اللغة للمعلومات قد أثرت في البحث العلمي بشكل كبير، فمن يتصور أن طريقتنا في التعبير عن هذا العالم تسهم في تحديد سلوك الاقتصاد والنمو الاقتصادي؟
لكي ندرك هذا التحول العلمي والدمج بين علوم اللغة وعلوم الاقتصاد نجد أن أيرلندا مثلا تعمل على تنمية رأس المال البشري استنادنا إلى المهارات اللغوية باستخدام سياسة تعليم اللغة، فالفرص الاقتصادية أو فرص العمل للفرد المستندة إلى مفاهيم رأس المال البشري في المجتمع تعتمد جزئيا على سياسة تعليم اللغة وقد نصت السياسة اللغوية في أيرلندا على أن يتم تسهيل التنقل الفردي للأغراض الاقتصادية من خلال التعدد اللغوي، فالتعددية اللغوية للقوى العاملة جزء أساسي من رأس المال البشري في سوق متعددة اللغات، وهي -وهذا بيت القصيد- شرط للتداول الحر للسلع والمعلومات والمعرفة. 
هكذا عدت السياسة اللغوية في أيرلندا اللغة شرطا للتداول الحر للسلع، فهي ضامن من ضمانات السوق الحرة. إذن فاستخدام اللغة يحتوي على معلومات تختلف باستخدام التقنيات اللغوية، مثل قواعد النحو. فالاستخدام الخاطئ لقواعد النحو يؤدى لنقل معلومات خاطئة، وتفضيل أسلوب الحديث بالماضي أو المستقبل له تأثير في بنية التفكير الاقتصادي، وفي هذا السياق تحديدا وجدت أبحاثا اقتصادية مرموقة تشير إلى أن اللغات المختلفة تؤدي إلى أداء اقتصادي مختلف، فمثلا وجدت الأبحاث أن الأفراد الذين يتحدثون لغات ذات تفضيل قوي للوقت المستقبلي لديهم ميل أكبر للادخار وخطط التقاعد وبناء الثروات وعلى العكس من ذلك.
وإذا صبح هؤلاء الأشخاص مديرين أو رؤساء تنفيذيين فإن شركاتهم تسعى للاحتفاظ بنقدية أقل، كما وجدت الدراسات أن الأشخاص الذين يتحدثون لغة ذات تفضيل ضعيف للوقت المستقبلي سيستفيدون بشكل كامل من الخدمات المالية المختلفة لتحقيق مستوى عال من الشمول المالي، وهذا يعني أن على الباحثين دراسة لغة التقرير المالي وتقرير مجلس الإدارة. 
فلقد أظهرت الدراسات أيضا أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الدول ذات التباين اللغوي، لديهم شعور بعدم اليقين بشأن التنمية الاقتصادية أكثر من غيرهم. في هذا السياق البحثي، فإني أرى أن العمالة الأجنبية التي تعمل في الأسواق لدينا وفي كل المجالات تقريبا وتفتقد القدرة على الحديث اللغوي الصحيح -عربية مكسرة جدا دون مراعاة للزمن- لا تستطيع أن تفهم الزمن من حديثهم، فلا مستقبل ولا ماض، وهذا الأمر يؤثر وفقا للأبحاث في سلوكنا الاقتصادي.
رغم أن هناك من يرى عدم وجود أثر للغة في القرار الاقتصادي لأنها محايدة، لكن الواقع والأبحاث يثبتان أن اللغة ليست محايدة، بل تؤثر في شكل ونوع المعلومة، وأعتقد أن الأمر يجب أن يحسم تماما، ولا بد لهؤلاء العمالة من دخول معاهد لتعليم العربية، ويتم نشر هذه المعاهد في المدن والمناطق الصناعية.            
 

إخلاء مسؤولية إن موقع عاجل نيوز يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.

أخبار ذات صلة

0 تعليق